الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
152
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
القدر المشترك فيكون الخصوصيات مستفادة من جهة القرينة الدالة عليها باعتبار المتعلقين فتأمل قوله بأنه لا شبهة في استعمال إلى آخره مبنى الاستدلال المذكور على استعمال صيغة الأمر في خصوص كل من الوجوب والندب وأن ظاهر الاستعمال قاض بالحقيقة من غير فرق بين متحد المعنى ومتعددة وفيه أن كلا من المقدمتين المذكورتين في محل المنع إذ قد يقال بكون الأمر مستعملا في العرف واللغة في الطلب إلا أن ذلك الطلب قد يقع على سبيل الإلزام كما هو الظاهر من إطلاقه وقد يقع على غير سبيل الإلزام ولا يلزم من ذلك استعمال الصيغة في خصوص كل من المعنيين ولإمكان إطلاق المعنيين الخاصين لانطباق كل منهما على الطلب واتحاده معه كما مرت الإشارة إليه وقد تقدم الكلام فيما بنى السيد عليه من أصالة الحقيقة في متعدد المعنى وأن الأظهر منع الأصل المذكور وترجيح المجاز على الاشتراك كما هو المشهور ثم لا يذهب عليك أن مفاد المقدمتين المذكورتين بعد تسليمهما هو كون الأمر مشتركا بين الوجوب والندب في الجملة لا على انحصار معناه الحقيقي فيهما كما هو المدعى بل يقضي الدليل المذكور بكونه حقيقة في جميع مستعملاته سواء قام الدليل على كونه مجازا فيه فكان عليه بيان الدليل على كونه مجازا في سائر مستعملاته قوله وأما استعمال اللفظة الواحدة في الشيئين أو الأشياء إلى آخره ظاهر كلامه الاحتجاج على دلالة الاستعمالات على الحقيقة في متعدد المعنى بعدم الفرق بينه وبين متحده في تحقق الاستعمال وظهوره في الحقيقة وقضية كلامه كون دلالة الاستعمال على الحقيقة في متحد المعنى من المسلمات عندهم وإلا لما اتجه الكلام المذكور مع عدم إقامته دليلا على دلالته على الحقيقة في متحد المعنى وقد مرت الإشارة إلى ذلك قوله بالنسبة إلى العرف الشرعي إلى آخره إذ الظاهر أنه يريد بالعرف الشرعي هو اصطلاح الشارع بالنسبة إلى عرف الشريعة فيكون الأمر عند الشارع في مخاطباته المتعلقة بالشريعة حقيقة في الوجوب خاصة بخلاف ما إذا تعلقت مخاطباته بالأمور العادية مما لا مدخل لها بالشريعة فيكون في تلك الاستعمالات تابعا للعرف واللغة كما هو الحال في سائر الاصطلاحات الخاصة كاصطلاح النحاة وأهل الصرف والمنطق وغيرهم ويحتمل أن يكون مقصوده نقل الشارع لتلك اللفظة إلى الوجوب مطلقا فيحمل في كلامه على الوجوب مطلقا سواء وقع في مقام بيان الشريعة أو سائر الأحكام العادية قوله وأما أصحابنا معشر الإمامية إلى آخره ما ادعاه أولا هو إجماع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من الخاصة والعامة المأخوذة من ملاحظة سيرتهم في كيفية الاستنباط وما ادعاه ثانيا هو إجماع الإمامية على الحكم المذكور وقد وافقه على النقل السيد بن زهرة وأنكر الأول وعلى الأول جماعة من العامة منهم الحاجبي والعضدي وقد يورد عليه تارة بأن الإجماع المذكور إنما يفيد حملهم أوامر الشرع عليه وهو أعم من كونها موضوعة لذلك أو حقيقة فيه خاصة إذ قد يكون ذلك من جهة قضاء قرائن عامة على حملها على ذلك مع كونها موضوعة لمطلق الطلب أو كونها مشتركة بين المعنيين كما اختاره في وضعها بحسب اللغة وقد بنى بعض المتأخرين على الوجه المذكور فقال إن غاية ما يقتضيه الإجماع المذكور هو الحمل على الوجوب واختار كون الصيغة لغة وشرعا لمطلق الطلب بل جعل كثيرا من الأدلة المذكورة للقول بكون الأمر للوجوب من الآيات الشريفة وغيرها شاهدا على الحمل على الوجوب وقرينة عامة قائمة عليه مدعيا أن ذلك أقصى ما يستفاد منها دون الوضع للوجوب حسبما ادعوه كما مرت الإشارة إليه وأنت خبير ببعد الدعوى المذكور إذ لو كان ذلك مستفادا من القرائن الخارجية لم يستندوا فيه إلى مجرد الأمر ولو وقع الإشارة منهم ولو تأدت إلى دليله وكون ذلك من الأمور الواضحة عند الجميع حتى لا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه مما يستبعد جدا سيما بعد ملاحظة الأدلة إذ لا يوجد في الشريعة دليل ظاهر يدل على لزوم حمل الأوامر الشرعية على الوجوب وما احتجوا به من الآيات قد عرفت ما يرد عليه وتارة بأنه لا دلالة في الإجماع المدعى على استناد الفهم المذكور إلى نفس اللفظ بل قد يكون من جهة ظهور الطلب في الوجوب كما هو معلوم من فهم العرف أيضا بعد الرجوع إلى المخاطبات العرفية حسبما مر بيانه وثالثا أنه إذا دل الإجماع على كونه حقيقة في عرف الشرع في الوجوب خاصة فقضيته أصالة عدم تعدد الاصطلاح وعدم تحقق الهجران يكون كذلك بحسب اللغة أيضا نعم لو دل دليل على الاشتراك بحسب اللغة توجه ما ادعاه من الفرق إلا أن المفروض عدم استناده في ثبوت الاشتراك بحسب اللغة إلى ما يزيد على مجرد الاستعمال وهو لا يعارض الدليل الدال على المجازية وقضية الأصل إذن ثبوت ذلك بحسب اللغة أيضا لأصالة عدم اختلاف الحال في اللفظ إلا أن يقوم دليل على خلافه ومع الغض عنه فلا أقل من معارضة ظهور الاستعمال في الحقيقة بالأصل المذكور فلا يتم له ما ادعاه قوله إنما يصح إذا تساوت نسبة اللفظ إلى آخره ظاهر كلامه يعطي تسليم ما أصله السيد من دلالة الاستعمال على الحقيقة في متحد المعنى ومتعددة إذ من البين أن السيد لا يقول بذلك مع قيام أمارة المجاز وقد يحمل كلامه على التسليم من باب المماشات وقد نص قبل ذلك على كون المجاز خيرا من الاشتراك ويحتمل حمل كلامه على التفصيل بين ما إذا ظهر كونه حقيقة في بعض المستعملات فيقدم المجاز وما إذا تساوى الحال في الاستعمال من دون ظهور أمارة على الحقيقة أو المجاز فيقدم الاشتراك إلا أن التفصيل بذلك غير معروف في كلماتهم قوله ولا يذهب عليك إلى آخره لا يخفى أن مقصوده من حمل الصحابة كل أمر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب هو خصوص الأوامر المطلقة وإلا فاستعمال الأمر في الشريعة في غير الوجوب من الضروريات التي لا مجال لإنكاره فلا منافاة نعم بعد بنائه على كون الأمر في الشريعة حقيقة في الوجوب خاصة لا وجه لاستناده في كونه مشتركا في اللغة والفرق بين الوجوب والندب إلى استعماله في القرآن أو السنة فيهما إذ المفروض كون استعماله في الندب هناك مجازا فلا فائدة فيه في ذكره في المقام وبعد فرض استعماله في الوجوب بحسب اللغة لا فائدة في ملاحظة استعماله فيه بحسب الشرع مع خروجه عن محل الكلام وكون المقصود من ذلك إفادة وضعه له في اللغة نظرا إلى أصالة عدم النقل كما ترى مضافا إلى بعده عن سياق العبارة المذكورة ويمكن الجواب عنه بما مر من كون مقصوده اختصاص الأمر بالوجوب في عرف الشريعة فيكون مشتركا بينهما عنده في كلام الشارع أيضا في المخاطبات المتعلقة بغير الشريعة فيكون المراد استعماله في القرآن والسنة في الوجوب والندب في غير ما يتعلق بالأحكام الشرعية ومنه يظهر وجه آخر لدفع المناقضة التي ذكرها المصنف